ماي 21, 2022

 

يبدو أن الخرطوم ستشهد صيفاً ساخناً في مقبل الأيام إذا قدر لعملية الحل السياسي أن تمضي كما يخطط لها مهندسوها أو الآلية الثلاثية، وربما نشهد فصلاً جديداً من الصراع لكن هذه المرة بين مهندسي قرارات 25 أكتوبر الموصوفة بالانقلاب، ووفقاً لتسريبات غير ذي ثقة أن الحركات المسلحة أبدت تذمرها من الاتفاق المحتمل أو شكل السلطة القادمة، بل ذهبت أكثر من ذلك بالتهديد المباشر لإشعال الحرب داخل الخرطوم إذا تم إقصاؤهم من مواقعهم الدستورية التي تقلدوها وفق اتفاقية جوبا للسلام، فيما حذر قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو من أية عملية تتم (تحت التربيزة وتفضي إلى إقصاء الآخرين) .

ويعتقد مراقبون أن هذا التحذير معني به البرهان ورفاقه العسكريين في المجلس السيادي، خصوصاً أن هناك مقترحاً بإلغاء المجلس السيادي ما يهدد وجود حميدتي في السلطة.

 

وحذر دقلو لدى مخاطبته الثلاثاء بالقصر الجمهوري، العاملين بالأمانة العامة للقصر الجمهوري بمناسبة عيد الفطر المبارك، من اتفاقيات وحوارات ومبادرات بالداخل والخارج تدار تحت (التربيزة) تهدف لتمكين جهات بعينها وإقصاء الآخرين وقال (نحنا الآن بنتفرج لكننا متابعين عمليات التذاكي والمؤامرات والبرمجة التي تتم تحت الترابيز) وتابع بالقول (نحن ضلع أساسي لن يتم أي شيء دون أن نتفق بمشاركة جميع أبناء وبنات السودان)، مشيراً إلى أن من يقومون بمثل هذه المؤامرات سيدفعون الثمن وستنجرف الأوضاع إلى الأسوأ، مشدداً على أن مشاركة جميع ولايات السودان في عملية الوفاق ستشكل المخرج الوحيد للبلاد. وأضاف (السودان ليس الخرطوم أو ثلاثة شوارع حتى يحصر الوفاق عليهم لوحدهم) وقطع بعدم وجود أي إشكال بينهم وأي جهة من الجهات وأن هدفهم الوحيد أن يكون السودان كتلة واحدة وأبناؤه على قلب رجل واحد، وكشف عن لقاء خلال الأيام الماضية مع وفد من قوى الحرية والتغيير، وأنه بين للوفد أن الهدف يجب أن يكون تحقيق مطالب الشعب فقط. وزاد بالقول(إخوتنا في الحرية والتغيير يقولون إنهم لن ولم يلتقوا العسكر لكنهم قبل أسبوع اجتمعوا بي وقلت لهم ليس المهم ماذا نريد نحن أو أنتم، إنما المهم ماذا يريد الشعب والبلد). وأكد دقلو أنه صادق مع الشعب سيقول الحق دون خشية من أي أحد ولن يشارك في أي مؤامرة تحت التربيزة تحاك ضد مصلحة الشعب السوداني، وأردف بالقول(نحذر ونقول شغل الكذب والنفاق والمؤامرات ما بيخلي البلد دي تمشي لي قدام). وأعلن دقلو زهدهم في السلطة واستعدادهم للذهاب للثكنات شريطة أن يكون هناك اتفاق شامل، يوفق بين جميع أبناء الشعب السوداني ويقود البلاد إلى بر الأمان.

 

الخوف من الغدر

ويقول المحلل والناشط السياسي هشام عباس في حديثه، إنه من المهم جداً العودة لما قبل 48 ساعة من تصريحات حميدتي إلى ما رشح عن المكالمة التي أجراها قائد الانقلاب البرهان حسب وصفه مع مساعدة وزير الخارجية الأمريكي السيدة مولي، وطلب البرهان عودة المساعدات والعلاقة مع أمريكا إلى ما قبل الانقلاب، متعهداً بإعادة الأمور إلى نصابها وشرح في المكالمة عن تطورات يقودها الجيش لتسليم السلطة، فيما أكدت السيدة مولي أن علاقات أمريكا بالجيش السوداني ستعود بشرط تحقيق الانتقال والابتعاد عن السلطة لضمان تدفق المساعدات للجيش والمساعدة في تطويره ودعمه مادياً وتقويته للقيام بواجباته، ويمضي هشام بقوله إنه سبقت مكالمة البرهان تحركات ولقاءات ومساعي منه شخصياً لإقناع بعض القوى السياسية، لإيجاد مخرج للأزمة بما يضمن مدنية السلطة وهيبة الجيش، وتحديداً مع قيادات في الحزبين الكبيرين الاتحادي والأمة ولو بشكل شخصي حسب ما رشح من مصادر موثوقة .

من هو المقصود

ويتابع هشام “بالنظر لكل هذه التطورات يبقى مفهوماً شكل الخطاب الذي خرج به حميدتي يوم الثلاثاء ولن تحتاج إلى كبير عناء أو ذكاء، أن تفهم بالنظر لفحوى الخطاب أن المقصود به في المقام الأول المؤسسة العسكرية وليس الشعب أو القوى السياسية. ومن ملامح الخطاب أنه أتى بطعم المرارة ورهاب الغدر، إلى جانب أن خطابه أتى متسقاً مع تسريبات ورسائل غير مباشرة من الحركات المسلحة أيضاً بعد مكالمة البرهان أتت في شكل تهديدات، إلى درجة العودة للحرب في حال تم إقصاؤهم من الترتيبات الجارية .

ويواصل هشام بقوله “أنه عندما يقول حميدتي إن هناك ترتيبات داخلية وخارجية تجري (تحت الطربيزة) وإن أية عملية سياسية تهدف إقصاؤهم لن يكون مقبولاً، فالطبيعي أنها رسالة موجهة للجيش كطرف أصيل في هذه الترتيبات. وأضاف “عندما يقول إن هناك قوى سياسية جلست معه الأسبوع الماضي وهو نفس التاريخ الذي خرج فيه متباكياً أن الأحزاب لا تجلس معهم ولا تلقى عليهم السلام حتى، فهو بكل تأكيد يرسل رسالة للجيش أنه لديه تفاهمات سياسية أيضاً مع بعض القوى، رغم أنه لا شئ يرجح صحة ذلك إلا إذا كان يقصد قوى الحرية والتغيير المزيفة (جماعة الموز).

 

تبدد الحلم

ويرى هشام بأن حديث حميدتي المكرر عن دعمه للانتقال الديمقراطي إلى درجة أنه أحياناً يرتدي لباس الثورة في خطاباته، لكن تحركاته وسياساته كلها تشير إلى عكس ذلك، بل توضح أن للرجل أطماعاً سياسية بعيدة المدى إلى درجة أحياناً يتعامل كأنه الرئيس الحالي والمستقبلي للبلاد، وأنشطته المتعددة مؤخراً توضح أهداف الرجل وأنه يرى الفرصة مناسبة ليكون الرجل الأول وهو ما يشعرك في كل نشاطاته أنه يقوم بدعاية انتخابية .

ويقول هشام إن حميدتي لن يقبل انهيار أحلامه بهذه السهولة وأغلب ضباط الجيش لن يقبلوا بهذه الخطوة المؤكد أنهم يرون الجيش وقائده أوصياء على البلاد والحكم حق أصيل لهم، وفي الجانب الآخر، الحركات المسلحة لا تملك رؤية أعمق من حدود مكاسبهم الشخصية، وهم مع أي طرف يضمن لهم هذه المكاسب فقط حتى لو عاد البشير من محبسه رئيساً .

 

نظرية المؤامرة

ومن جهته يعتقد المحلل السياسي د.عبد اللطيف محمد عثمان أن حديث حميدتي عن مؤامرة واتفاق تحت التربيزة لإقصاء الآخرين يؤكد انعدام الثقة بينه وبين قادة المؤسسة العسكرية، وأضاف عثمان في حديثه، أن هذه اللغة لم تكن موجودة في خطاب حميدتي منذ الثورة، ما يشير إلى أن ثمة شقاق وخلاف مكتوم بين البرهان وحميدتي أو بالأحرى بين الجيش والدعم السريع التي أظهرت نوايا واضحة في السيطرة على السلطة بالمال والقوة، ولكن قوة الشارع الثوري والرفض الواسع لتحركات حميدتي في هذا الاتجاه قلل من اندفاعه وتعجله في تنصيب نفسه حاكماً للسودان، ولكنه ما زال متمسكاً بمشروعه إن يستجد جديد .

وقال عبد اللطيف إن ما رشح عن إلغاء مجلس السيادة في الاتفاق السياسي المحتمل يخرج حميدتي من المشهد السياسي، وبالتالي قد تتعرض مصالحه لمخاطر كبيرة لفقدانه للنفوذ الذي يستغله الآن في الحفاظ على نشاطه المالي والاقتصادي.

 

الخرطوم – نبيل صالح

الخرطوم: (صحيفة الحراك السياسي)

 

Translate »